تابع مشروع المعرفة على تليجرام
مال و استثمار

رؤية السعودية 2030: كيف تعيد المملكة ضبط استراتيجيتها الاستثمارية في 2026 لتوسيع قاعدة المستثمرين؟

عندما تتحدث السعودية عن تحديث استراتيجيتها الاستثمارية في 2026، فهي لا تعلن عن “خطة جديدة” بقدر ما تعلن عن انتقال محسوب من مرحلة توسيع الحجم إلى مرحلة تعظيم الأثر. ومع اقتراب إطلاق المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، يصبح السؤال الأهم: كيف ستتحول التدفقات إلى استثمارات “أعلى جودة” وأكثر إنتاجية؟ هنا تبرز ملامح رؤية السعودية 2030 بوصفها الإطار الذي يربط بين التنويع الاقتصادي، وتطوير القوانين، وتعزيز جاذبية السوق، بما ينعكس أيضاً على اسهم السعودية وسيولتها وقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال العالمية.

لماذا “المرحلة الثانية” الآن؟

أوضح وزير الاستثمار خالد الفالح أن المرحلة الثانية، المقرر إطلاقها خلال 2026، ستبنى على ما تحقق منذ 2021، لكن بتغييرات جوهرية في الأولويات. فالسعودية حققت مستهدف الاستثمار الكلي قبل موعده بست سنوات، ووصل معدل الاستثمار إلى نحو 30% من الناتج المحلي في 2024، كما تضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر عدة مرات منذ إطلاق الرؤية. هذه النتائج تعني أن تحدي المرحلة المقبلة لم يعد “زيادة الأرقام فقط”، بل تحسين نوعية الاستثمارات وتوجيهها نحو القطاعات الأعلى أثراً على النمو والإنتاجية.

بمعنى آخر: إذا كانت المرحلة الأولى ركزت على تسريع الحركة وتوسيع القاعدة التشريعية والتنظيمية، فالمرحلة الثانية تريد أن تجعل كل ريال استثماري أكثر فعالية، وأقرب إلى احتياجات الاقتصاد الحقيقي.

المشكلة التي كشفتها الأرقام: التركّز لا التنوع

رغم نمو الاستثمار الأجنبي المباشر، أشار الوزير إلى أن أكثر من 85% منه ما يزال متركزاً في الشركات متعددة الجنسيات. هذا التركّز قد يخلق “صورة جميلة” على الورق، لكنه لا يضمن بالضرورة تنوع قاعدة المستثمرين أو اتساع أثر الاستثمار داخل سلاسل الإمداد المحلية.

إلى جانب ذلك، فإن تجاوز نسبة القروض إلى الودائع في البنوك السعودية مستوى 100% خلال 2024 يشير إلى ضغط تمويلي داخلي وارتفاع الطلب على السيولة. وهنا يصبح جذب رؤوس الأموال الأجنبية والتمويل الخارجي ليس مجرد خيار لتحسين الأرقام، بل ضرورة لتغذية دورة الاستثمار دون تحميل السيولة المحلية أعباء إضافية.

ما الذي ستفعله الاستراتيجية الجديدة عملياً؟

1) برامج تمكين حسب فئات المستثمرين

تفسير الاحلام ابن سيرين

المرحلة الثانية تُركز على برامج تمكين مصممة لمختلف فئات المستثمرين، مع اهتمام أعلى بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة والقطاع الخاص المحلي. والرسالة واضحة: النمو لن يأتي فقط من صفقات ضخمة، بل من بيئة تسمح لرواد الأعمال والموردين المحليين بتكوين شركات قابلة للنمو والتمويل والتصدير.

2) تحسين عوامل التنافسية التي “تؤلم المستثمر”

هناك نقاط غالباً ما تحدد قرار المستثمر أكثر من أي حملة ترويجية، مثل:

  • الوصول إلى المواهب والكفاءات
  • خفض تكاليف ممارسة الأعمال
  • توفير حلول تمويلية مرنة ومناسبة
  • تسريع الإجراءات وتقليل عدم اليقين التنظيمي

هذه العناصر إذا تحسنت، فإنها لا تجذب المستثمر الأجنبي فقط، بل ترفع أيضاً قدرة الشركات المحلية على التوسع والمنافسة.

3) الانتقال من “النمو السريع” إلى “الجودة والإنتاجية”

المرحلة المقبلة تستهدف توجيه الاستثمار نحو قطاعات ذات أثر اقتصادي أعلى. عالمياً، تتحول بوصلة الاستثمارات الجديدة نحو الصناعات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية، والتقنية الحيوية. والسعودية تريد أن تكون منافساً فعلياً في هذه القطاعات، لا مجرد سوق مستهلك لها.

الأسواق المالية… ذراع مكمل لجذب رؤوس الأموال

لا يمكن فصل الاستراتيجية الاستثمارية عن مسار تحرير السوق المالية. فقرار فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب، وإلغاء متطلبات كانت تقيد المشاركة، يمثل إشارة مهمة للثقة والانفتاح. ارتفاع المؤشر العام بعد الإعلان يعكس توقعات المتداولين بأن السيولة الأجنبية قد تكون أكثر حضوراً في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع خطوات إضافية لرفع سقف الملكية الأجنبية.

ومن زاوية المستثمر العالمي، فإن سهولة الدخول والخروج، والشفافية، وتنوع المنتجات الاستثمارية، كلها عوامل ترفع جاذبية السوق. لذلك فإن مراجعة القيود المتعلقة بالملكية الأجنبية خلال 2026، كما ذُكر، تُعد جزءاً من “الصورة الكبرى” لتوسيع قاعدة المستثمرين.

حصيلة ما تحقق منذ 2021: نقاط توضح الاتجاه

قدّم الوزير مجموعة من المؤشرات التي تشرح ما بُني عليه القرار بإطلاق مرحلة ثانية، ومن أبرزها:

  • طرح نحو 2000 فرصة استثمارية بأكثر من تريليون ريال
  • إغلاق 346 صفقة بقيمة 231 مليار ريال
  • اتخاذ 701 شركة عالمية الرياض مقراً إقليمياً
  • استقطاب 20 من أكبر 30 بنكاً عالمياً لتقديم التمويل
  • تجاوز الاستثمارات الجريئة في الشركات الناشئة 6 مليارات ريال
  • استقطاب الأنشطة غير النفطية نحو 90% من الاستثمارات

هذه الأرقام توضح أن البنية أصبحت أوسع، والآن جاء دور تعميق الأثر ورفع الجودة.

في النهاية

تحديث الاستراتيجية الاستثمارية في 2026 يبدو كأنه “ضبط اتجاه” أكثر منه “تغيير مسار”. التركيز على تنويع قاعدة المستثمرين، وتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتحسين التنافسية وتكاليف الأعمال، بالتوازي مع انفتاح أكبر للأسواق المالية وتحديث الأطر التنظيمية، قد يمنح السعودية مزيجاً نادراً: سوق كبيرة، وسياسات أكثر مرونة، واستثمارات موجهة لقطاعات المستقبل. والرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة هو أن تتحول التدفقات إلى قيمة مضافة مستدامة داخل الاقتصاد، لا مجرد أرقام سنوية لافتة.

تابع مشروع المعرفة على تليجرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *