روسيا بعد الحرب: كيف ستُعيد أوكرانيا تشكيل جيشها بين الكلفة والردع؟

عندما يعلو صوت التسويات وتدخل القارة الأوروبية مرحلة التفكير بما بعد القتال، يظهر سؤال صعب: كيف يمكن بناء قوة ردع مستدامة من دون استنزاف دولة خرجت من حرب طويلة؟ في قلب هذا الجدل تبرز روسيا كعامل ضغط دائم على الحدود، بينما تبقى حرب روسيا على أوكرانيا مرجعاً يحدد شكل الخيارات الأمنية والاقتصادية لكييف. فالحرب لا تترك وراءها خطوط تماس فقط، بل تترك أيضاً جيشاً ضخماً وخبرة ميدانية متراكمة وميزانية مثقلة وأسئلة عن الجنود والسلاح والتمويل.
معضلة جيش ضخم: قوة ردع أم عبء اقتصادي؟
تتحدث التقديرات عن قوة عسكرية كبيرة قاربت ثمانمئة ألف عنصر خلال سنوات القتال. هذا الحجم يمنح أوكرانيا ميزة واضحة: جيش واسع ذو خبرة حديثة في حرب استنزاف معقدة. لكن الحفاظ على هذا العدد بعد أي تسوية يفتح بابين من التحديات:
- التمويل: الرواتب والتجهيز والتدريب والصيانة ستكون كلفة ثابتة لا ترحم، خصوصاً إذا تراجعت المساعدات الخارجية أو تحولت من منح إلى قروض وشروط.
- سوق العمل والديموغرافيا: إبقاء مئات الآلاف خارج الاقتصاد المدني يضغط على الإنتاجية، في بلد يعاني تقلصاً سكانياً وتغيراً في هيكل القوى العاملة.
هنا تظهر فكرة “الجيش الأصغر مع احتياط أكبر” كحل وسط: قوة عاملة أقل عدداً لكنها أكثر تخصصاً، مع منظومة احتياط مدربة تُستدعى عند الحاجة.
سيناريوهات ما بعد القتال: ثلاثة مسارات محتملة
ليس هناك نموذج واحد يناسب الجميع، لكن يمكن تلخيص أبرز السيناريوهات الواقعية في ثلاثة مسارات تتقاطع بينها السياسة والمال والتهديدات:
1) الإبقاء على الحجم الكبير بدعم أوروبي طويل الأجل
هذا المسار يقوم على تمويل خارجي مستمر يضمن رواتب وتسليحاً وتحديثاً، ويعامل أوكرانيا كخط دفاع متقدم لأوروبا. ميزته أنه يرفع مستوى الردع بسرعة، لكنه يحمل مخاطرة: أي تغير سياسي أو اقتصادي لدى الداعمين قد يهز الاستدامة ويخلق فجوة مفاجئة في التمويل.
2) تقليص القوة العاملة مع تعظيم الاحتياط
في هذا السيناريو، يتم تسريح تدريجي لجزء كبير من المجندين، مع تحويل جزء منهم إلى احتياط منظم. تصبح الأولوية لبناء قيادة وسيطرة أكثر مرونة، وإبقاء قوات نخبة ومشاة آلية جاهزة، بينما تُسند مهام واسعة لقوات الاحتياط عند الطوارئ. هذا يقلل العبء المالي ويعيد أعداداً مهمة إلى الاقتصاد، لكنه يحتاج إدارة دقيقة لمنع تآكل الجاهزية بمرور الوقت.
3) جيش “تكنولوجي” أقل عدداً وأكثر اعتماداً على المسيّرات
هذا المسار يتعامل مع الدروس القاسية للحرب الحديثة: الطائرات المسيّرة والاستطلاع والذخائر الدقيقة غيّرت شكل المعركة. الفكرة هنا أن يقل اعتماد كييف على المعدات الثقيلة الباهظة، وتستثمر أكثر في منظومات أقل تكلفة وأكثر قابلية للإنتاج المحلي، مع توسيع استخدام المركبات البرية غير المأهولة في الإسناد والإخلاء والإمداد.
أين تُصرف الميزانية؟ أولويات تسليحية لا تحتمل الترف
حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، الموارد محدودة. لذلك تدور نقاشات حادة حول “ماذا نشتري وماذا نؤجل؟”. منطق ما بعد الحرب يميل إلى ترتيب الأولويات كالتالي:
- الدفاع الجوي متعدد الطبقات لحماية المدن والبنية التحتية والطاقة.
- الصواريخ بعيدة المدى لخلق توازن ردعي ومنع الضربات العميقة.
- إنتاج محلي واسع لتقليل الاعتماد على تقلبات المانحين وتوحيد خليط السلاح المتبرع به.
- المسيّرات والوسائط غير المأهولة كحل أكثر كفاءة كلفةً في الاستطلاع والضرب.
أما الجدل الأكبر فيبقى حول المقاتلات: هي مهمة للسيطرة الجوية والردع، لكنها مكلفة شراءً وتشغيلاً وصيانةً، وتحتاج بنية تدريب وقواعد وخدمات لسنوات.
معركة التمويل والاستقلال الصناعي
تسعى كييف إلى رفع نسبة التصنيع المحلي في السلاح، ليس فقط لتقليل الكلفة، بل لتبسيط منظومة التسليح. الحرب فرضت “خلطة” واسعة من نظم مختلفة، ما يعقّد الإمداد والتدريب وقطع الغيار. لذلك يصبح التصنيع المحلي هدفاً سيادياً بقدر ما هو هدف عسكري.
لكن التمويل الخارجي يظل محورياً، لأن مرحلة إعادة البناء ستنافس الدفاع على نفس الموارد. أي قروض جديدة قد تمنح “وقتاً إضافياً”، لكنها لا تلغي السؤال: كيف تُبنى معادلة أمنية طويلة من دون أن تتحول الميزانية إلى رهينة للحرب حتى بعد توقفها؟
ختاما
في نهاية المطاف، مستقبل الجيش الأوكراني سيتحدد بثلاثة عناصر متداخلة: مستوى التهديد على الحدود، واستمرارية التمويل الخارجي، وقدرة الدولة على تحويل الخبرة القتالية إلى مؤسسة أكثر رشاقة وتخصصاً. قد يتغير العدد، وقد يتغير شكل السلاح، لكن جوهر القرار سيبقى واحداً: بناء ردع يمنع تكرار الحرب، من دون أن يبتلع مستقبل الاقتصاد والمجتمع.






